الجمعة، 15 مارس، 2013

السندات





بعد غياب طويل عن الوطن وقنواته الوطنية، جلست أتابع بصمت نشرة أخبار الظهيرة، أثار انتباهي تطرق النشرة لطرح الحكومة المغربية لسندات واستفزّتني طريقة تقديم الخبر. 

جاء في الخبر أن المغرب استطاع أن يسوق "أ" دولار من السندات و ... ، كانت طريقة تقديم الخبر توحي أنه انجاز، وكأن تلك السندات صندوق بطاطس بعناه واستخلصنا ثمنه وانتهت الحكاية ....

لكن الحكاية أكبر من ذلك بكثير، أن يسوق المغرب سندات بقيمة "أ" دولار تعني ببساطة أنه اقترض قرضا بتلك القيمة وتضاف إليها تكاليف تسويقها على الأسوق المالية والضرائب و الفوائد، والشيء الأكثر خطورة هو أن نسبة الفوائد غير ثابتة، بمعنى أنه إذا اهتزت الأوضاع الأمنية في المغرب أو تزعزع الاستقرار السياسي أو تراجع أداء المغرب الاقتصادي سترتفع النسبة لأنها غير ثابتة.


فما هي السندات يا ترى؟

السندات جمع سند، والسند قيمة مالية متنقلة (لأنها تباع وتشترى) تعطي لمالكها حق دين على الجهة التي أصدرتها. بمعنى آخر السند ورقة مالية تعلن بأن مالك السند دائن إلى الجهة المصدرة للسند. 

مثال مبسط :

بلدية باريس أرادت صيانة برج 'ايفل" وتلزمها لهذه الصيانة 50 مليون يورو، بعد مشاورات مع محللها المالي اقترح عليها : 

ـ أن تموّل أشغال الصيانة بقرض بنكي، و بعد دراسة للسوق وجدت أن القروض البنكية مستقرة عند نسبة 6 في المائة ومدّة التسديد ست سنوات، ويتطلب الأمر ضمانات من الحكومة الفرنسية في حالة عجز البلدية عن التسديد...

ـ أن تموّل أشغال الصيانة بطرح سندات في بورصة باريس، وبإمكان البلدية تسويق سنداتها بسعر فائدة أقل من ستة في المائة وفي مدّة أطول (تسع سنوات مثلا)، وذلك لأن فرضية عدم التسديد ضعيفة نظرا لسمعة البلدية الطيبة وكثرة مواردها، ولأنها مدعومة من طرف حكومة فرنسا المستقرة اقتصاديا و سياسيا.

بعد أن درست البلدية تكلفة الاقتراحين، قررت أن تموّل أشغال الصيانة بطرح سندات في السوق المالية الأوروبية. أهم خصائص هذا الطرح هي: 

قيمة السندات المطروحة :  50,000,000 يورو
 عددها  500,000 سند
قيمة السند الاسمية : 100 يورو
سعر الفائدة : 2,5 في المائة
مدة التسديد: 10 سنوات

لنفترض أن مجلة أطلسية لديها أموال في حسابها البنكي لن تحتاجها في مشاريعها في السنوات القادمة، فارتأت أن تستفيد منها وتستثمرها، وبذلك قررت شراء 1000 سند.

بشراء أطلسية لألف سند تكون قد أصبحت دائنة لبلدية باريس بمبلغ  100,000 يورو، وعوض أن تظل تلك الأموال نائمة في حسابها البنكي فقد ساهمت في تحريك العجلة الاقتصادية وتمويل مشروع قومي، وفي نفس الوقت سوف تحصّل فائدة 2,500 يورو سنويا (قيمة السند الإسمية في عدد السندات في سعر الفائدة)، بصيغة رقمية : 

100 x 1,000 x 2.5% = 2,500€

بلدية باريس لن تنتظر مرور عشر سنوات لتسديد هذا الدين، ستسدده تماما كما لو كان دينا كلاسيكيا، في كل سنة ستسدد قيمة عدد محدد من السندات، وبالتالي بعد كل سنة سيتقلص عدد السندات المتبقية إلى أن يتم تسديد آخر سند مع حلول نهاية السنة العاشرة.

قد يتساءل البعض لماذا لا نقترض قرض عاديا، الجواب هو أن أغلب عمليات طرح السندات تكون من أجل تحصيل قدر كبير من المال، ليس بامكان أي بنك أن يقرض أي مؤسسة مبالغ كبيرة تعد ملايين أو ملايير الدولارات لتمويل مشاريعها الضخمة، بل البنوك بنفسها توجد على قائمة أهم مروجي السندات، و بذلك تقترض أموالا من المتعاملين في السوق المالية لتقرضها لهم أو لغيرهم، فيما بعد، عن طريق قروض كلاسيكية.

لهذا نجد أن الدول والمؤسسات الكبيرة والبنوك هم أهم من يقترض عن طريق طرح سندات في الأسواق المالية.

والأهم أن المُقرِض يمكنه أن يبيع السندات ويستردّ أمواله متى شاء دون استشارة أو استئذان الجهة التي أصدرت السند، والتي لا يهمها من يتملّك السند بالقدر الذي يهمها تاريخ تسديده، وهذه المرونة لا توفرها القروض الكلاسية حيث الدائن و المدين ثابتين.

ثم ننهي بهذه الصورة التي تجسد السندات، حيث كان مالك السند يأتي بورقة كهذه ويقدمها للمؤسسة المسؤولة لاستخلاص الفوائد أو لاستخلاص قيمتها عند حلول وقت التسديد المشار إليه فيها، الآن تطورّت الوسائل التقنية إلى حد ما وصارت البنوك تتكفل بتنفيذ التعامل مما جعله أكثر مرونة لكن المبدأ لم يتغير.


الثلاثاء، 10 يناير، 2012

البورصة




الهدف من هذا المقال هو تقريب و تبسيط مفهوم الأسواق المالية و نبقى منفتحين على أسئلتكم لإغناء محتوى المدونة.

ما هي البورصة؟

 البورصة هي عبارة عن سوق يُمَكِن من إلتقاء العرض و الطلب اللذين يخصان رؤوس الأموال.  ما يميز البورصة عن باقي الأسواق التي نعرفها (كسوق الخضر، سوق السمك، سوق الحبوب،الأسواق الاسبوعية ...) هو أن العرض و الطلب مرتبطان بقيم مالية. بطريقة أخرى نعرض قيمة مالية مقابل شراء قيمة مالية أخرى.

 ماذا؟ لم تفهم؟ أنظر للمثال أسفله:

قررت الحاجة محجوبة شراء 100 سهم اتصالات المغرب، و دفع مقابل هذه الأسهم 5000 درهم (لنفترض ان قيمة السهم الواحد هو 50 درهم)

ملاحظة : شراء أو بيع الأسهم يشمل تفاصيل اخرى كتكلفة الخدمات البنكية للبنك المسؤول عن تنفيذ الصفقة و أشياء أخرى لا داعي للخوض فيها.

الحاجة محجوبة بشرائها لهذه الأسهم دفعت قيمة مالية نقدية وهي  5000 درهم. و في المقابل حصلت على 100 سهم و هو جزء مجموعة الأسهم التي تمثل رأس مال شركة اتصالات المغرب، أي بعبارة أخرى دفعت مالا "على شكل "نقود" و أخد في المقابل مالا على شكل أسهم "قيم مالية".

أهم أنواع هذه القيم هي : الأسهم، السندات، المنتجات المالية المشتقة، و صناديق التحوط ... سنعود لها بتفصيل في تدوينة لاحقة. هذا مجرد تقديم لبعض القيم المالية التي يتم تداولها، سوف ننشر مقال يتناولها بتفصيل أكثر، و لكي يبقى تركيز المقال منصبا على البورصة في حد ذاتها.

تجدر الإشارة كذلك إلى أن البورصة في بعدها القانوني عبارة عن شركة مجهولة الاسم تتوفر مجلس إدارة وإدارة عامة. بالنسبة للمغرب فبورصة الدار البيضاء شركة مجهولة الاسم تملكها مجموعة من الشركات الناشطة في السوق لكنها خاضعة لوصاية وزارة الاقتصاد و المالية.

ما هو دور البورصة؟

تلعب البورصة دورا يلتقي في بعده مع أي سوق أخرى (سوق الطماطم مثلا)، فهي توفر المجال الجغرافي و القانوني و التنظيمي الذي يسهل إلتقاء عارضي رؤوس الاموال و طالبيها.

ما تتميز به البورصة عن باقي الأسواق هو الترسانة القانونية الغنية و المعقدة في نفس الوقت، و دراستها العلمية و تقييمها المدروس رياضيا للمخاطر و نشرها للمعلومات التي تخص السوق بطريقة تقنية حديثة و كذلك تدخلها لضمان حركة الأوراق المالية في حال عجز أحد الوسطاء.

كي لا نستهين بسوق الطماطم، يجب الاشارة إلى أن دراسة المخاطر و استباق التقلبات و تحديد الثمن بناء على التجاذب بين العرض و الطلب و أشياء اخرى بسيطة في شكلها معقدة في بعدها الاقتصادي يقوم بها المتعاملون البسطاء لكن بطريقة عفوية بعيدا عن الدراسات العلمية التي تميز البورصة.

بنية السوق المالية المغربية: 



بنية السوق المالية قد تختلف من بلد لآخر لكن غالبا ما تتم هيكلة البنية حسب نوعية التعاملات. سنركز في هذه الفقرة على بنية السوق المغربية كمثال.
تجدر الإشارة أن داخل كل سوق مالية يمكننا ان نميز فيها أنواع متعددة من الأسواق، مثلا أسواق قصيرة أو متوسطة أو بعيدة المدى، و ذلك حسب نوعية الاستثمار. يمكننا ان نميز عددا من الأسواق كلما غيرنا معيار الإنتقاء.
تتكون البورصة المغربية من سوقين رئيسيين: السوق الكتل و السوق المركزية.

        سوق الكتل: 

في سوق الكتل يتم بيع و شراء القيم المنقولة بالتراضي بين البائع و المشتري. مثلا شركة "مليلية المغربية" إذا  اتفقت مع شركة  "سبتة المغربية" على بيعها كمية معينة من الأوراق المالية "الدولار مثلا" بقيمة 500,000 دهم مغربية، يمكنهما إذن تنفيذ الصفقة دون الحاجة إلى وسيط، تماما كالصفقة التي تنجزها في السوق الأسبوعية و أنت تشتري ثلاثة كيلوغرامات من البطاطس.

تخضع سوق الكتل إلى العديد من الشروط تخص في مجملها السعر و الحد الأدنى للكمية القيم المنقولة في الصفقة، لا داعي للخوض فيها لأنها شروط يراد بها سيادة القانون و النزاهة في هذا الحيز من السوق.

      السوق المركزية :

السوق المركزية هي الحيز من السوق الذي يخصص للتعامل الكلاسيكي في البورصة، أي أن المشترين يصدرون أوامر الشراء و الباعة يصدرون أوامر البيع، و تلتقي طلبات الشراء مع عروض البيع لتتحكم في تحديد ثمن القيم المالية المتداولة. 

مثلا شركة "سبتة المغربية" تريد الاستثمار في سندات، أي شراء مجموعة من السندات (السندات نوع من القيم المالية التي سنقدمها في المقال اللاحق)، و شركة "مليلة المغربية" قد طرحت سندات لتمويل مشروع ما، فهي إذن باحثة عن التمويل. في السوق المركزية لا يمكن لشركة "سبتة المغربية" أن تتفق مع شركة "مليلة المغربية" على انجاز الصفقة بطريقة مباشرة كما هو الحال في سوق الكتل، لكن شركة "سبتة المغربيىة" ستصدر أوامر بشراء مستندات كما سيصدر الآخرون، و سوف يتم تجميع كل أوامر البيع و الشراء من مختلف الأطراف و تنفيذها. بالنسبة للتنفيذ تعطى الأولوية إلى السعر و وقت استلام الأمر و من المفروض أن يتم التنفيذ في شفافية تامة و بدون صفقات هامشية تحد من التنافسية بين المستثمرين.  
  
الجانب التنظيمي: 

يتم تجميع أوامر البيع و أوامر الشراء في فترة ما قبل الإفتتاح، ثم ينتهي اصدرا الأوامر ليدخل السوق في مرحلة تنفيذ أوامر البيع و الشراء، ثم مرحلة ما قبل إغلاق جلسة التداول، ثم تدخل المراقبة.



مثال جدول أوامر البيع و الشراء


الفاعلين في السوق المغربية :

شركات البورصة، مجلس القيم المنقولة، ماروكلير، الجمعية المهنية لشركات البورصة و وزارة الإقتصاد و المالية. كل واحد من هؤلاء الفاعلين له أدوار و وظائف معينة، بعضها تتقاطع و البعض يكمل البعض الآخر. لكن تسير في مجملها في سياق سيادة القانون و حماية المستثمرين.

مؤشرات السوق المالية المغربية : "مازي"  و  "مادكس"

مازي عائم : مؤشر عام يشمل جميع القيم المنقولة من نوع الأسهم، أي انه لا يشمل السندات و المنتجات المالية المشتقة ...، يقتصر فقط على الأسهم لكنه يضمها جميعها. (الأسهم هي قيم مالية تمثل جزء من رأس المال، عندما تمتلك سهما يعني أنك مساهم في رأس مال الشركة).

 مادكس عائم : مؤشر مدمج يتكون من القيم الخاضعة للتداول المستمر، أي أنه لا يقتصر فقط على الأسهم بل يضم الأنواع الاخرى لكنه يقتصر فقط على القيم التي يتم تداولها بشكل مستمر في بورصة الدار البيضاء. 
  
مؤشرات قطاعية: مؤشر مدمج يتكون من القيم المنتسبة لنفس القطاع، أهمية هذا النوع من المؤشرات أنه يتابع التغيرات حسب قطاعاتها. أهم القطاعات : الأبناك، التأمينات، المناجم، العقار، الكيماويات، البناء و مواد البناء ...

      ما يستفاد :   عندما تشاهد النشرة الإقتصادية:

عندما تسمع ان مازي سجل ارتفاعا بنسبة 2 في المائة، هذا يعني ان معدل تغير قيم أسهم الشركات ارتفع بنسبة 2 في المائة، هذا لا يعني ان كل الشركات ارتفعت بنفس القيمة و لكن هنالك أسهم شركات حققت ارتفاعا و أخرى انخفاضا و أخرى ربما لم تتغير، و هذا ما يفسر تقديمهم لجدول يبين أهم الارتفاعات المسجلة و أهم الإنخفاضات المسجلة.

بالنسبة لمادكس، هو معدل تغير أو تقلب القيم الخاضعة للتداول المستمر بغض النظر هل هي أسهم أم أشكال مالية أخرى، عندما يسجل مادكس مثلا انخفاضا ب2 في المائة، يعني أن القيم المالية التي يتم تداولها (بيعها أو شراؤها) باستمرار قد حققت معدل تقلب ناقص 2 في المائة، و ما قلناه على مازي ينطبق على مادكس، و هو أنه مجرد معدل و لا يعني أن كل القيم حققت نفس الرقم، لكنها حققت أرقام مختلفة و التي أعطت معدل ناقص 2 في المائة.

بصفة عامة:

تجدر الإشارة إلى أن البورصة تشكل مرآة الإقتصاد و الأمن و الإستقرار السياسي لبلد ما، و تتأثر بشكل كبير بأي شيء قيد يمس استقرار هذه الأمور، فمثلا في بلد ما عرف أحداثا أدت إلى انعدام الأمن، انعدام الامن هذا قد يكون سببا في انهيار القيم لأن الكل يريد أن يتخلص من استثماراته و الخروج بأمواله من اقتصاد هذا البلد، و بما أن الكل يريد البيع و لا أحد يرغب في الشراء فمن الطبيعي أن تسجل البورصة انخفاضا حادا في تقلبات قيمها. و العكس صحيح عندما يكثر الطلب و يقل العرض. (تماما كما يقع في رمضان عندما يكثر الطلب على الطماطم، و كمية العرض لا تكفي للاستجابة لكل طلبات الشراء مما يؤدي إلى ارتفاع كبير في أثمنتها)


الاثنين، 31 أكتوبر، 2011

ماذا تفعل المصارف بدراهمنا؟



كما سبق و وعدنا، فإن هذه التدوينة غرضها تسليط الضوء على ما تفعله هذه المؤسسات بأموالكم. قبل أن نبدأ دعونا نتعرف على البنك بعيدا عن المصطلحات المالية و القانونية  المعقدة.

البنك هو شركة تجارية نشاطها يقوم على المتاجرة بالمال. المتاجرة بالمال تعني أنها تشتري درهما و تبيع درهما.  لكن الفرق بين الثمن الذي تشتري به  و الثمن الذي تبيع به هو نسبة المئوية التي تمثل صافي ربحها. (تجدر الإشارة إلى أن الخدمات التي تقدمها المصارف قد تطورت بشكل كبير في ثلاثة عقود الأخيرة و امتدت إلى خدمات جد متنوعة  لكن تبقى مرتبطة بالجانب المالي).



لتسهيل التعريف قلنا أنها تشري و تبيع المال، لكن في الحقيقة نسبة كبيرة من الأموال التي تبيعها (تقرضها) لا تدخل في ملكيتها و لكن هي مالك و مالي و مال جاري و جارك و المساهمين و المستثمرين و أموال اقترضتها و أخرى ربحتها.  ماذا؟ لم تفهم؟ كيف ذلك؟ أوكي، أنظر للمثال اسفله.

مثال حسابي مبسط:

تصور أن لديك 10.000 درهم مغربية، و ذهبت و وضعتها بنك "أطلسية" مثلا، في حسابك الشخصي الذي لا تجني منه أيه فوائد (هنالك أنواع متعددة من الحسابات سنلقي عليها الضوء في تدوينة لاحقة)، ثم خرجت مسرورا لأن وضعت مالك في أيد أمينة.
ثم توجه جارك الذي يعيش ضائقة مالية إلى البنك و اقترض عشرة آلاف درهم. البنك قد يقرض جارك مالك الذي وضعته. البنوك تبيع هذه الخدمة المالية بنسبة مالية، فلنفترض في هذا المثال أن النسبة هي 12 في المائة.

في الحقيقة ماذا وقع؟ 

البنك أخذ المال الذي وضعته في حسابك و اقرضه لجارك المحتاج، باعه شيئا حصل عليه منك (بنسبة أو بدون نسبة و هذا حسب نوعية الحساب الذي وضعت فيه مالك) و حقق ربحا يقدر ب12 في المائة من عشرة آلاف درهم، أي 1200 درهم.

البنك لا يقرض، لأن فكرة القرض تلزم الإنسان بأن يرد ما اقترضه، لكن البنك تبيع لك شيئا حاضرا على أساس أن تسدده بنفس الشيء لكن بقيمة أعلى في المستقبل، و هذا بالضبط ما يتعارض مع قيم الإسلام، و هنا  أفتح قوسا لأشير أن غالبية البنوك الإسلامية لا تحترم هذا المبدأ وبالتالي فهي بنوك ربوية و لكن بطريقة غير مباشرة.

هذا ليس انتقادا للمصارف لأنها تقدم في المقابل خدمات و تخلق فرص شغل و تساهم في استغلال الأموال بدل تركها نائمة بدون إنتاجية، خصوصا المصارف التي تقدم خدماتها لعامة الناس و التي لا تعتبر مصارف مربحة بالمقارنة مع ما تدره مصارف الاستثمار في البورصة من أموال على المجموعة البنكية الأم.

هذا مجرد مثال بسيط جدا من الواقع، و لا يجسد إلا خدمة واحدة من العديد من الخدمات التي توفرها حسب تخصصها و حسب نوعية الزبناء. 


كل مؤسسة بنكية هي عبارة عن مجموعة بنكية تتضمن  أنواع متعددة من البنوك، مثلا :
 بنك التقسيط (الترجمة كلمة بكلمة) : و هو البنك الحاضر عبر مجموعة من الوكالات البنكية في كل مدن التراب الوطني التي تسهر على تسهيل و تسيير التعامل مع الخواص، أي كل إنسان عادي له حساب بنكي.

ثم بنوك على مستوى مختلف من المعاملات مثل بنوك الاستثمار التي تنشط في البورصات، و البنوك الخاصة و التي تستهدف تقديم خدمات مالية و استثمارية لأغنياء جدا (المليونيرات و ما فوق ... :) )، و المصارف المتخصصة التي تقدم خدمات لفئة معينة مثل المصارف الفلاحية...  إلى غير ذلك من أنواع المصارف و التي تختلف و تتنوع باختلاف نوعية الخدمات التي تقدم و التي تبدأ من التمويل و الاستشارة أو تسيير الاستثمارات إلى غير ذلك من الخدمات التي ربما لا يعرف عنها عامة الناس شيئا. 

سنعود بتفصيل لكل هذه الأنواع و أنواع أخرى من المصارف (المربحة جدا عكس مصارف التقسيط التي تتعامل مع  الخواص). هذه الانواع من المصارف قد لا يعرفها عامة الناس الكثير و لكنها تؤثر بطريقة كبيرة في حياتهم الاقتصادية و الاجتماعية و حتى في سياسة الدولة و هي المصارف المربحة جدا بالنسبة للمجموعات البنكية الأم لكنها تعمل في مجال لا يفهمه إلا المتخصصين.


من أين للبنك بالمال؟

البنك تجمع أموال العملاء و المساهمين و القروض ثم تعيد توزيعها حسب سياستها الاستثمارية.

ماذا لو لم يتبقى للبنك ما يكفي من المال لمواصلة نشاطه؟

عندما تقل السيولة  في إحدى المؤسسات البنكية فأنها تقترض من البنوك (منافسيها في السوق)، أو من إحدى البنوك التابعة للمؤسسة الأم، إذا كان البنك الأم لا يتوفر على ما يكفي من السيولة فبإمكانه أن يقترض من بنك البنوك و هو بنك المغرب : بنك المغرب هو مؤسسة مالية تابعة للدولة و هي التي تجسد سلطة الدولة على المستوى الإقتصادي و المالي، و تسهر على تفعيل السياسات المالية و الاقتصادية للدولة كضبط التضخم و التحكم في كمية المال المتداولة في الاقتصاد الوطني ... و قس على ذلك. للإشارة في كل دولة هنالك بنك مركزي، في فرنسا يوجد بنك فرنسا المركزي، و في مصر هنالك بنك مصر المركزي و في فلسطين السليبة هناك بنك فلسطين المركزي و هكذا.

المشكل في اليونان حاليا هو ان الدولة التي يُفترض أن تلعب دور المنقذ سواء بإقراض المؤسسات التي تعيش أزمة مالية أو تقديم ضمانات لها لكي تحصل على قروض من مؤسسات أخرى، تعاني هي نفسها من أزمة مالية لتراكم القروض عليها و هي نفسها تحتاج لمن يضمنها.

الأحد، 4 سبتمبر، 2011

البنات و دراهمهن الذهبية



توفي السيد محمد و ترك ثلاث بنات – أمل و عمل و جمل-  و ترك لهن بيتا يأويهن و ثلاث دراهم ذهبية.
قررت أمل أن تحتفظ بدرهمها لما قد يخبؤه القدر لها، و قررت أن تعمل لتجني ما يكفي لتأمين حياة كريمة لها و لأختيها الصغيرتين "عمل" و "جمل".

أما "عمل" فقد قصدت أقرب بنك لها و أودعتهم درهمها الذهبي على أن تجني نسبة معينة من الأرباح. فنصحها البنكي أن تستثمر في أحد صناديق الإستثمار التابعة للبنك لأن ذلك سيعود عليها بأرباح وفيرة و أنها لن تخشى شيئا لأن البنك لا يستثمر في الأشياء الغير مضمونة و بالتالي فلا خوف علي درهمها الذهبي. شعرت أمل بفرح كبيرة و سلمته الدرهم و جعلها البنكي توقع على العديد من الأوراق، كان كلما دفع  لها بورقة لكي توقعها إلا و ابتسم و قال هذه تصلح لكذا و هذه لكذا و تلك لكذا.


أما "جمل" فقد كانت صغيرة جدا فقررت أمل أن تحتفظ لها بدرهمها إلى أن تكبر و تتصرف فيه بمعرفتها.

بعد مرور سنة:

دخلت "عمل" شاحبة الوجه و يديها ترتعشان و قلبها يدق و عيناها تنزفان بدل الدمع دما، توجهت بسرعة لغرفتها و أخرجت الأوراق التي وقعتها للبنك قبل سنة و بدأت تقرأها في بحث عن بند تتكئ عليه لاسترجاع درهمها.  هل تعرفون ما هي الأوراق التي و قعتها "عمل" ؟

هي كمثل من مر بأحد المحلات التجارية و رأى معطف كشمير مثيرا و بنصف ثمنه الأصلي و كتب عليه "تخفيضات 24 ساعة" فأسرع و اشتراه. لكن ما إن وصل فصل الشتاء ببرده القارص حتى تذكر معطفه و لبسه في تحد للبرد و قسوته، ثم خرج فاستفرد به البرد و جمد أطرافه. فلما عاد للبيت و خلع المعطف لمح شارة المعلومات و قد كُتِب عليها " الكشمير 5 في المائة و الباقي ... ليس كشمير". لم يَكن هذا الشخص ليقع في المشكل لو أخد قليلا من الوقت- بعيدا عن إبهار المحل و الأشياء التي رُتبت بطريقة عِلمية لتستدرج المشتري رغما عن أنفه- و قرأ بتمعن كل المعلومات الخاصة بما يشتريه، فالقانون يفرض على البائع أن يدلي بهذه المعلومات و لكنه لا يحمي المغفلين.

هذا بالضبط ما وقع ل"عمل"، فهي لا تعرف ماذا فعل البنك بدرهمها إلا ما قيل لها، و في نفس الوقت تستغرب كيف للبنك الذي أخبرها بأنه خسره استثماره في البورصة- أن يوزع على المسؤولين على الخسارة من "المتضاربين" مكافآت تُقدر بالملايين؟

قَرَأت كل الأوراق التي وقعتها، و خرجت بخلاصة مفادها أن البنكي الذي شجعها على الاستثمار لم يكذب و لكنه تجنب –لغاية في نفس يعقوب-  التكلم عن الوجه الآخر للاستثمار. بعد أن أنهت قراءة كل الوثائق فهمت أن جهلها و تسرعها دفعاها للقيام بخطوة غير محسوبة، و أنها لن تستطيع أن تثبت  فيما اٌستثمِرت مالها لأنها تعيش في بلد لا توجد فيه صحافة تبحث عن حقيقة ما تفعل اللوبيات المالية.
فهمت "عمل" لكن بعد أن ضاع درهم أبيها الذي لا و لن يعوض.

في التدونة المقبلة سنشرح ماذا يفعل البنك بدراهمنا الذهبية :)

أطلسية... بداية جديدة




أطلسية مدونة اقتصادية مغربية  ناطقة باللغة العربية، تعمل على دمقرطة الفكر الاقتصادي و توعية المجتمع العربي عامة و المغربي خاصة بما له و ما عليه اتجاه كل المتعاملين معه من مؤسسات مالية و اقتصادية بشقيها العام و الخاص.

تأمل مدونة أطلسية في تبسيط المفاهيم التي تهم المجال المالي و الاقتصادي عبر طرحها بطريقة سهلة و بسيطة تخاطب القارئ كيف ما كان مستواه و تخصصه العلمي.

مدونة أطلسية مدونة مستقلة غير تابعة لأي فكر سياسي أو اقتصادي و يسهر على خدمتكم من خلالها كفاءة مغربية شابة و متخصصة.