‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاستثمار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاستثمار. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 15 مارس 2013

السندات





بعد غياب طويل عن الوطن وقنواته الوطنية، جلست أتابع بصمت نشرة أخبار الظهيرة، أثار انتباهي تطرق النشرة لطرح الحكومة المغربية لسندات واستفزّتني طريقة تقديم الخبر. 

جاء في الخبر أن المغرب استطاع أن يسوق "أ" دولار من السندات و ... ، كانت طريقة تقديم الخبر توحي أنه انجاز، وكأن تلك السندات صندوق بطاطس بعناه واستخلصنا ثمنه وانتهت الحكاية ....

لكن الحكاية أكبر من ذلك بكثير، أن يسوق المغرب سندات بقيمة "أ" دولار تعني ببساطة أنه اقترض قرضا بتلك القيمة وتضاف إليها تكاليف تسويقها على الأسوق المالية والضرائب و الفوائد، والشيء الأكثر خطورة هو أن نسبة الفوائد غير ثابتة، بمعنى أنه إذا اهتزت الأوضاع الأمنية في المغرب أو تزعزع الاستقرار السياسي أو تراجع أداء المغرب الاقتصادي سترتفع النسبة لأنها غير ثابتة.


فما هي السندات يا ترى؟

السندات جمع سند، والسند قيمة مالية متنقلة (لأنها تباع وتشترى) تعطي لمالكها حق دين على الجهة التي أصدرتها. بمعنى آخر السند ورقة مالية تعلن بأن مالك السند دائن إلى الجهة المصدرة للسند. 

مثال مبسط :

بلدية باريس أرادت صيانة برج 'ايفل" وتلزمها لهذه الصيانة 50 مليون يورو، بعد مشاورات مع محللها المالي اقترح عليها : 

ـ أن تموّل أشغال الصيانة بقرض بنكي، و بعد دراسة للسوق وجدت أن القروض البنكية مستقرة عند نسبة 6 في المائة ومدّة التسديد ست سنوات، ويتطلب الأمر ضمانات من الحكومة الفرنسية في حالة عجز البلدية عن التسديد...

ـ أن تموّل أشغال الصيانة بطرح سندات في بورصة باريس، وبإمكان البلدية تسويق سنداتها بسعر فائدة أقل من ستة في المائة وفي مدّة أطول (تسع سنوات مثلا)، وذلك لأن فرضية عدم التسديد ضعيفة نظرا لسمعة البلدية الطيبة وكثرة مواردها، ولأنها مدعومة من طرف حكومة فرنسا المستقرة اقتصاديا و سياسيا.

بعد أن درست البلدية تكلفة الاقتراحين، قررت أن تموّل أشغال الصيانة بطرح سندات في السوق المالية الأوروبية. أهم خصائص هذا الطرح هي: 

قيمة السندات المطروحة :  50,000,000 يورو
 عددها  500,000 سند
قيمة السند الاسمية : 100 يورو
سعر الفائدة : 2,5 في المائة
مدة التسديد: 10 سنوات

لنفترض أن مجلة أطلسية لديها أموال في حسابها البنكي لن تحتاجها في مشاريعها في السنوات القادمة، فارتأت أن تستفيد منها وتستثمرها، وبذلك قررت شراء 1000 سند.

بشراء أطلسية لألف سند تكون قد أصبحت دائنة لبلدية باريس بمبلغ  100,000 يورو، وعوض أن تظل تلك الأموال نائمة في حسابها البنكي فقد ساهمت في تحريك العجلة الاقتصادية وتمويل مشروع قومي، وفي نفس الوقت سوف تحصّل فائدة 2,500 يورو سنويا (قيمة السند الإسمية في عدد السندات في سعر الفائدة)، بصيغة رقمية : 

100 x 1,000 x 2.5% = 2,500€

بلدية باريس لن تنتظر مرور عشر سنوات لتسديد هذا الدين، ستسدده تماما كما لو كان دينا كلاسيكيا، في كل سنة ستسدد قيمة عدد محدد من السندات، وبالتالي بعد كل سنة سيتقلص عدد السندات المتبقية إلى أن يتم تسديد آخر سند مع حلول نهاية السنة العاشرة.

قد يتساءل البعض لماذا لا نقترض قرض عاديا، الجواب هو أن أغلب عمليات طرح السندات تكون من أجل تحصيل قدر كبير من المال، ليس بامكان أي بنك أن يقرض أي مؤسسة مبالغ كبيرة تعد ملايين أو ملايير الدولارات لتمويل مشاريعها الضخمة، بل البنوك بنفسها توجد على قائمة أهم مروجي السندات، و بذلك تقترض أموالا من المتعاملين في السوق المالية لتقرضها لهم أو لغيرهم، فيما بعد، عن طريق قروض كلاسيكية.

لهذا نجد أن الدول والمؤسسات الكبيرة والبنوك هم أهم من يقترض عن طريق طرح سندات في الأسواق المالية.

والأهم أن المُقرِض يمكنه أن يبيع السندات ويستردّ أمواله متى شاء دون استشارة أو استئذان الجهة التي أصدرت السند، والتي لا يهمها من يتملّك السند بالقدر الذي يهمها تاريخ تسديده، وهذه المرونة لا توفرها القروض الكلاسية حيث الدائن و المدين ثابتين.

ثم ننهي بهذه الصورة التي تجسد السندات، حيث كان مالك السند يأتي بورقة كهذه ويقدمها للمؤسسة المسؤولة لاستخلاص الفوائد أو لاستخلاص قيمتها عند حلول وقت التسديد المشار إليه فيها، الآن تطورّت الوسائل التقنية إلى حد ما وصارت البنوك تتكفل بتنفيذ التعامل مما جعله أكثر مرونة لكن المبدأ لم يتغير.


الأحد، 4 سبتمبر 2011

البنات و دراهمهن الذهبية



توفي السيد محمد و ترك ثلاث بنات – أمل و عمل و جمل-  و ترك لهن بيتا يأويهن و ثلاث دراهم ذهبية.
قررت أمل أن تحتفظ بدرهمها لما قد يخبؤه القدر لها، و قررت أن تعمل لتجني ما يكفي لتأمين حياة كريمة لها و لأختيها الصغيرتين "عمل" و "جمل".

أما "عمل" فقد قصدت أقرب بنك لها و أودعتهم درهمها الذهبي على أن تجني نسبة معينة من الأرباح. فنصحها البنكي أن تستثمر في أحد صناديق الإستثمار التابعة للبنك لأن ذلك سيعود عليها بأرباح وفيرة و أنها لن تخشى شيئا لأن البنك لا يستثمر في الأشياء الغير مضمونة و بالتالي فلا خوف علي درهمها الذهبي. شعرت أمل بفرح كبيرة و سلمته الدرهم و جعلها البنكي توقع على العديد من الأوراق، كان كلما دفع  لها بورقة لكي توقعها إلا و ابتسم و قال هذه تصلح لكذا و هذه لكذا و تلك لكذا.


أما "جمل" فقد كانت صغيرة جدا فقررت أمل أن تحتفظ لها بدرهمها إلى أن تكبر و تتصرف فيه بمعرفتها.

بعد مرور سنة:

دخلت "عمل" شاحبة الوجه و يديها ترتعشان و قلبها يدق و عيناها تنزفان بدل الدمع دما، توجهت بسرعة لغرفتها و أخرجت الأوراق التي وقعتها للبنك قبل سنة و بدأت تقرأها في بحث عن بند تتكئ عليه لاسترجاع درهمها.  هل تعرفون ما هي الأوراق التي و قعتها "عمل" ؟

هي كمثل من مر بأحد المحلات التجارية و رأى معطف كشمير مثيرا و بنصف ثمنه الأصلي و كتب عليه "تخفيضات 24 ساعة" فأسرع و اشتراه. لكن ما إن وصل فصل الشتاء ببرده القارص حتى تذكر معطفه و لبسه في تحد للبرد و قسوته، ثم خرج فاستفرد به البرد و جمد أطرافه. فلما عاد للبيت و خلع المعطف لمح شارة المعلومات و قد كُتِب عليها " الكشمير 5 في المائة و الباقي ... ليس كشمير". لم يَكن هذا الشخص ليقع في المشكل لو أخد قليلا من الوقت- بعيدا عن إبهار المحل و الأشياء التي رُتبت بطريقة عِلمية لتستدرج المشتري رغما عن أنفه- و قرأ بتمعن كل المعلومات الخاصة بما يشتريه، فالقانون يفرض على البائع أن يدلي بهذه المعلومات و لكنه لا يحمي المغفلين.

هذا بالضبط ما وقع ل"عمل"، فهي لا تعرف ماذا فعل البنك بدرهمها إلا ما قيل لها، و في نفس الوقت تستغرب كيف للبنك الذي أخبرها بأنه خسره استثماره في البورصة- أن يوزع على المسؤولين على الخسارة من "المتضاربين" مكافآت تُقدر بالملايين؟

قَرَأت كل الأوراق التي وقعتها، و خرجت بخلاصة مفادها أن البنكي الذي شجعها على الاستثمار لم يكذب و لكنه تجنب –لغاية في نفس يعقوب-  التكلم عن الوجه الآخر للاستثمار. بعد أن أنهت قراءة كل الوثائق فهمت أن جهلها و تسرعها دفعاها للقيام بخطوة غير محسوبة، و أنها لن تستطيع أن تثبت  فيما اٌستثمِرت مالها لأنها تعيش في بلد لا توجد فيه صحافة تبحث عن حقيقة ما تفعل اللوبيات المالية.
فهمت "عمل" لكن بعد أن ضاع درهم أبيها الذي لا و لن يعوض.

في التدونة المقبلة سنشرح ماذا يفعل البنك بدراهمنا الذهبية :)